ست العجم بنت النفيس البغدادية

92

شرح مشاهد الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الإلهية

في الخلق يعرف اللّه ، فمن فقد الإنسان هذه الصورة فقد ربه ، ومن فقد نفسه فقد ربه ، وقد قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، فمن تيقن أن اللّه واحد مماثل له في الخلق لم يجده إلا بفقد إحدى الصور فمن تيقن أن الوجود مع اللّه فقد فقده ، لأنه جعل ثانيا ، ولمن يتيقن أن للّه صورة مقيدة فقد فقده ، ومتى فقد هذه الصورة المعينة وجده تعالى لأنه بريء عن التقييد ، فكأنه قال : من فقدني من المقيدين على زعمه التقييد فقد وجدني في عين تلك الصورة المقيدة ، وأيضا ، فإن هؤلاء العارفين قائلون بفناء الوجود ولا حقيقة لعينه في الحقيقة بالحقيقة للّه تعالى ، فمتى فقد هذا الفاني وجدت حقيقة اللّه تعالى ، وكأنه قال : إنه من فقد تقييدي وجد إطلاقي . وقوله : ( ومن وجدني لم يفقدني ) أي : عرف أحديتي بفناء نفسه ، فلا يرجع إلى التقييد بعد معرفته بالإطلاق ، ومحال أن يعرف اللّه تعالى ، ثم يسلب العارف معرفته به ، فالمعرفة من حيث هي لا تسترجع ، فإن قيل : إن الأحوال قد تسلب ، فنقول : إن الحال لا يطلق على صاحبه الكمال فليس كل صاحب علم عارفا ، وإذا كان كذلك فاسم السلب قد يطلق على الحال ، ولا يمكن ذلك على صاحب المعرفة . قوله : ( ثم قال لي : الوجود والفقد لك لا لي ) أقول : إن هذا التنزل في ظاهره يوهم التناقض وليس كذلك لأنه سبق بقوله : ( من فقدك وجدني ) فقد حقق الفقد والوجود لنفسه ، ثم عاد فنسبه إلى الشاهد وكلاهما ينطلق عليه الوجود والفقد على الحقيقة ، أما الشاهد فوجوده وفقده ظاهر ، وأما المشهود ففقده تقييده بوجود إطلاقه ، فمن أجل الإطلاق ينطلق عليه فقد التقييد ، ومن أجل التقييد ينطلق عليه فقد الإطلاق فكلاهما إذا يشتركان في الوجود والفقد فلا تناقض ، وأيضا فإنه في حال الشهود لا تمايز بين الشاهد والمشهود إلا في اللفظ ، فمن وجد الشاهد بالحقيقة ، وجد المشهود إذ لا حقيقة للشاهد والوجود والفقد على زعم الجاهل ، للشاهد لا للمشهود هذا على ظن الجاهل ، وأما المبتدئ في المعرفة ، فإذا ثبت عنده أن الوجود واحد وهو فان والحقيقة للّه تعالى ، فوجب أن يكون الفقد ، والوجود له على ما فسرناه ، فلما اتصف هذا العارف بأوصاف الفناء بعد اتصافه بالأوصاف اللائقة بالوجود الفقداني أي : وصف البشرية قيل : ( إن الوجود والفقد لك لا لي ) . قوله : ( ثم قال لي : والفقد لي لا لك ) أقول : إن هذا التنزل يؤيد ما ذكرناه من أن الجاهل ليس على شيء إذ الوجود والفقد بالحقيقة للّه ، فإن المدرك في التحديد والتقييد